مناع القطان

260

مباحث في علوم القرآن

صلف يعلوا بأحدهم على أبناء عمومته أنفا وكبرا مضرب مثل في التاريخ الذي سجل لهم أياما نسبت إليهم لما أحدثوه فيها من معارك وحروب طاحنة . أشعلها شرر من الكبرياء والأنفة . ومثل هؤلاء مع توفر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيل ويؤجهها أتون الحمية لو تسنى لهم معارضة القرآن الكريم لأثر هذا عنهم ، وتطاير خبره في الأجيال . فالقوم قد تصفحوا آيات الكتاب وقلبوها على وجوه ما نبغوا فيه من شعر ونثر فلم يجدوا مسلكا لمحاكاته ، أو منفذا لمعارضته ، بل جرى على ألسنتهم الحق الذي أخرسهم عفو الخاطر عندما زلزلت آيات القرآن الكريم قلوبهم كما أثر ذلك عن الوليد بن المغيرة ، وعندما عجزت حيلتهم رموه بقول باهت فقالوا : سحر يؤثر ، أو شاعر مجنون ، أو أساطير الأولين . ولم يكن لهم بد أمام العجز والمكابرة إلا أن يعرضوا رقابهم للسيوف ، وكأن اليأس القاتل بنقل بنيه من نظرتهم للحياة الطويلة والعمر المديد إلى ساعة الاحتضار فيستسلمون للموت الزؤام - وبهذا ثبت إعجاز القرآن بلا مراء . وكان سماعه حجة ملزمة ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ 6 - التوبة ) . وكان ما يحتويه من نواحي الإعجاز يفوق كل معجزة كونية سابقة ويغني عنها جميعا ( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ، أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ 50 ، 51 - العنكبوت ) . وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي عجز للغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها . والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور ظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف ، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقائق العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره ، وهو ما أجمله القرآن أو أشار إليه - فصل القرآن بهذا معجزا للإنسانية كافة .